الرئيسية / دراسات / العامل البشري أعظم ثروات اليابان الوطنية

العامل البشري أعظم ثروات اليابان الوطنية

محاولة علمية لفهم اليابان: الكيان السياسي والدور العالمي

يشكل هذا الكتاب نموذجاً لفصيلة الكتاب المسموع، وهو أيضاً عينة دالة على نوعية لها أهميتها وجدواها من الدراسات الجادة التي تقصد ترشيد سبل التعامل مع قضايا الشعوب التي ما زالت تمارس أدوارها الإيجابية، وتقدّم إسهاماتها البناءة في دفع مسيرة العلم نحو الأمام.

ويوضح الكتاب كيف أن اليابان: تاريخها وتطورها، وشعبها فضلاً عن سلبياتها (مجسّدة بتورطها في صراعات وحروب) مقابل ايجابياتها (مجسّدة في صحوتها الفكرية وجديتها في مجالات النهضة والتحديث وإسهاماتها في مجال العلم والابتكار والاختراع لصالح البشرية جمعاء) كل هذه الأدوار استطاع مؤلف الكتاب – وهو باحث أكاديمي وأستاذ جامعي دارس بعمق لهذه الحالة اليابانية – أن يقدمها للقارئ العادي فضلاً عن الباحث المهتم أو الاختصاصي، من خلال الفصول الأربعة والعشرين التي تضمها دفّتا هذا الكتاب.

ابتداءً من لمحات مكثفة بشأن الكيان التاريخي للكيان الياباني، مروراً بتطور هذا الكيان عبر حكم محاربي الساموراي ثم نظام الميجي الذي أدخل اليابان إلى مضمار الحداثة، وصولاً إلى القرن العشرين، الذي تميز بتناقض دور اليابان بين ويلات الحرب العالمية الثانية إلى دور طوكيو منذ منتصف القرن الماضي وتفوّقها في مجالات الاختراع والتصنيع والتكنولوجيا، انطلاقاً من حياة وسلوكيات شعبها .

ذات مساء، استضاف المذيع الأميركي تيد كوبل عدداً من مثقفي اليابان في برنامجه السياسي المذاع على قناة «إيه بي سي» التي تبث رسالتها على المستوى القومي في الولايات المتحدة، كان ذلك في منتصف التسعينيات. دار الحديث حول واردات اليابان إلى أميركا، وكان على رأسها أحدث أنواع السيارات ومختلف الأجهزة الإلكترونية، وقرب انتهاء المقابلة المتلفزة، تراءى للمذيع الهمام أن يطرح على ضيوفه السؤال التالي: ما الذي يمكن أن تستورده اليابان من أميركا؟

هنالك بدت علامات الحيرة على قسمات الشباب القادمين من اليابان، صمتوا برهة، ثم قال قائلهم في أدب آسيوي ملحوظ: ربما تستورد اليابان من أميركا أنواعاً من قمصان التي شيرت (!)

ساعتها، ارتسمت على وجه المذيع الأميركي الشهير دهشة ممرورة، تجسيداً لشعور واضح من خيبة الأمل.

والحاصل أنْ جاء البرنامج المذكور تأكيداً للإنجاز المبهر الذي كانت قد حققته الأمة أو الدولة الجزيرة القابعة في أقصى ركن من الشرق الأقصى، فيما جاء كذلك تعبيراً عن مدى الاهتمام الذي لا يفتأ الأميركيون يولونه لليابان، تاريخها، تطورها، إنجازاتها، وقضاياها.

وفي هذا الإطار تتجلى أهمية الكتاب الذي نعرض له في ما يلي من سطور.

فهْم اليابان

وقد طرحوا هذا الكتاب في شكله المسموع في سوق النشر الأميركية من خلال 24 محاضرة بصوت المؤلف، وبلغ الحيز الزمني لكل منها 24 دقيقة. وقد كان بديهياً أن يسند تأليف هذه النوعية من الكتب التي تقصد بداهة إلى تشييد جسور من الفهم والوعي بالشعوب إلى الخبراء الاختصاصيين، ومنهم في سياقنا الراهن البروفيسور مارك رافينا الأستاذ الأميركي الذي كرّس أغلب جهوده الأكاديمية لمعرفة اليابان، بعد أن أمضى سنوات عديدة أستاذاً زائراً في أهم مراكزها البحثية.

المؤلف يطالع قارئيه – مستمعيه منذ الوهلة الأولى مؤكداً أن اليابان تصدر – كما يقول – عن ثقافة غير اعتيادية أو هي استثنائية بالنسبة لسائر ثقافات العالم ولدرجة أن كثيراً من جوانب هذه الثقافة لا يزال غامضاً بالنسبة لنا، وهو ما يراه المؤلف مشكلة تستوجب المبادرة إلى الفهم والتماس الحلول، في ضوء ما تزال اليابان تضطلع به من أدوار مهمة، بل محورية على المسرح العالمي، وبخاصة في مجالات التقدم والإبداع العلمي والتكنولوجيا.

من الأساطير إلى الساموراي

من هنا تتراوح المساقات البحثية – الفكرية التي يضمها كتابنا بين الأساطير القديمة التي نشأ على أساسها المجتمع الياباني القديم مع بدايات تشكّل اللغة اليابانية، إلى حقبة نشوء وازدهار مجتمع الساموراي، وهو مجتمع ما قبل الحداثة في اليابان.

وقد نشأت هذه الفئة خلال الهزيع الأخير من القرن الثاني عشر الميلادي، وتألّفت من صفوة المحاربين الإقطاعيين، الذين فرضوا ما يصفه الكتاب بأنه ديكتاتورية عسكرية معروفة باسم «شوغونيت»، ثم غربت شموسهم بعد منتصف القرن التاسع عشر مع إلغاء النظام الإقطاعي وبداية حكم اﻠميجي في عام 1868، وإن ظلت أعرافهم متبعة في مجتمع اليابان .

وفيما بدأ فجر الحضارة اليابانية مع تعاليم الفيلسوف كونفوشيوس، معلم الصين القديم الذي عاش بين القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد، إلا أن مسيرة اليابان ظلت متواصلة في هدوء وشبه انعزال إلى حيث بدأ العالم يتسامع بها مع فاتح القرن العشرين، وخاصة في ظل أصداء الانتصار الذي حققه البلد الآسيوي المذكور على بلد ينتمي إلى أوروبا اسمه روسيا، أو ما يعرف في الحوليات المعاصرة بأنه حرب عام 1904 بين الإمبراطورية الروسية وامبراطورية اليابان حول كوريا ومنشوريا.

وعلى الرغم من انكسار اليابان كما هو معروف في الحرب العالمية الثانية (1939- 1945) حيث كانت عضواً فاعلاً في كتلة المحور، التي ضمت بداهة كلاً من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشيّة، وبرغم ما قامت به العسكرية اليابانية من تدمير كامل للأسطول الأميركي في ميناء بيرل هاربور بتاريخ 7 ديسمبر 1941، ناهيك عن تعرّض اليابان في كل من هيروشيما وناغازاكي لأول، وآخر (فيما نرجو)، تفجير نووي بالقنبلة الذرية في 6 و9 أغسطس من عام 1945.

إلا أن اليابان عمدت – كما يوضح الكتاب – إلى تضميد جراحاتها ومعاودة النظر بالتأمل والدرس العميق في سلوكياتها وقراراتها وإطلالتها على عالم النصف الثاني من القرن العشرين، فإذا بها وقد حققت على مدار فترة الأعوام العشرين: 1955 – 1975 ما يطلق عليه كتابنا الوصف التالي: المعجزة الاقتصادية.

كيف تحققت المعجزة؟

هذه المعجزة لم تتحقق – كما يؤكد المؤلف – لا من تلقاء نفسها، ولا بمجرد استيعاب اليابان للدروس المستفادة من تجارب القرن الماضي، السلبي منها لدرجة الدمار خلال الحرب العالمية، أو الإيجابي منها لدرجةِ تُقارب الإعجاز بفضل ما توصّل إليه العقل البشري في مجالات أجهزة البث المرئي أو مجالات أحدث وأكفأ أنواع السيارات أو مجالات تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات.

هنا أيضاً تصل فصول الكتاب إلى ما يوصف على النحو التالي: حقبة تجديد اﻠميجي.

جاء استهلال هذه الحقبة التي ما زالت تشكل أساس اليابان الحديثة – المعاصرة، في عام 1868 على وجه التحديد وهو العام الذي شهد إسقاط آخر حكام الإقطاع وتولَّى الإمبراطور مقاليد الأمور في العاصمة طوكيو.

بيد أن الأهم أن جاء العام المذكور بمثابة استهلال لحقبة جديدة من تاريخ اليابان، وهي المرحلة التي امتدت حتى عام 1812 وشهدت انفتاح اليابان على الغرب، وبالتالي على منجزات الغرب ومخترعاته وابتكاراته المستجدة على حياة الناس منذ أواخر القرن التاسع عشر ومع حلول سنوات القرن العشرين خاصة.

وقد أتاح تسلّم الإمبراطور مقاليد الأمور وجود حكومة مركزية آلت على نفسها – كما يؤكد مؤلفنا – تجميع الموارد البشرية والمادية لليابان، ومن ثم حشدها بغرض استخدامها إلى ما يؤكد الدور الذي قصدت طوكيو أداءه عاصمةً لدولة تأخذ بأسباب الحداثة من جهة، وتتطلع إلى دور طموح تؤديه تجاه العالم والعصر من جهة أخرى.

دور الحياة العائلية

لا يفوت مؤلفنا أيضاً أن يعرض في الفصول الأخيرة من هذا الكتاب الحياة العائلية في اليابان: هنا يعرفون الأسرة باسمها في لغتهم: «كازوكو». والقائمون على أمرها يفضلون الاقتصار على طفل واحد أو طفلين، نظراً للمساحة المحدودة لمسكن العائلة، وما زالت الأسرة الصغيرة تتمتع بقدر لا يخفى من النفوذ والتأثير فضلاً عن احترام الأعراف ومجاراة التقاليد.

ثم يتحول كتابنا إلى الحقبة التي يطلقون عليها وصف نهضة اليابان الاقتصادية ويوردها المؤلف تحت رقم الدراسة أو المحاضرة رقم 22 من بين محتويات هذا الكتاب: يرجع تاريخها إلى الفترة 1945 – 1990 وهي فترة التحولات التي أشرنا إليها في معرض الحديث عن عكوف اليابان على تضميد جراحات الانكسار في الحرب العالمية الثانية، وخاصة إصاباتها الفادحة في كارثتي التعرض للقصف الذرّي الأميركي.

وبصرف النظر عن الإنجازات المادية التي حققتها اليابان فإن كتابنا يعزو نجاحها خلال السنوات الأربعين التي ألمحنا لها، إلى عوامل عديدة يأتي في مقدمتها حالة التواؤم – الانسجام والاتساق الاجتماعي وتعرف في لغتهم بالمصطلح «وا» مضافاً إليها عدة عوامل – صحية كما نسميها – ما بين فضيلة تكريس قيمة العمل بل والعمل الشاق الجاد والدؤوب إلى الرؤية المتسعة للأنشطة والمشاريع التي تمتد لكي تشمل فترة الأجل الطويل وهو ما ظل يقتضي التزود بسلاح الصبر الجميل على المستوى الوطني بأكمله.

وهو ما تجلى – كما تشهد بذلك المراجع الأميركية – فيما يتمتع به العمال اليابانيون من جدية في السلوك ودأَب على العمل واحتفال بعناصر التجديد والابتكار، مما أدى إلى تحقيق اليابان خلال فترة الحرب الباردة بين معسكري الشرق (روسيا) والغرب (أميركا) فوائض اقتصادية تصفها مجلة هارفارد لإدارة الأعمال بأنها فوائض هائلة.

من المحاضرة الختامية من المساق الحافل الذي يشغل صفحات هذا الكتاب يخلُص القارئ إلى أن التعامل المستنير والمفيد مع بلد محوري مثل اليابان، ينبغي أن ينطلق من معرفة بتاريخه وبتطوره، وبإسهاماته في قضايا العالم وتيارات العصر، فضلاً عن الفهم الموضوعي لمشكلاته وأعرافه الوطنية ودوره في دفع مسيرة الإنسانية إلى الأمام.

دور هـيروهـيتو يستقطب الاهتمام

يتوقف الكتاب ملياً عند إمبراطور اليابان الأسبق هيروهيتو : تولّى عرش البلاد في عام 1926 وكان عمره لا يزيد على 25 سنة ولكن في غمار صراعات سياسية – اقتصادية – تشريعية كانت ناشبة بين أجنحة اليمين المحافظ واليسار الوطني ثم اليسار الشيوعي. مع ذلك فقد كان الإمبراطور المذكور محظوظاً من جهة فيما كان مستنيراً من جهة أخرى. لماذا؟

أولاً لأن فلول اليسار ما لبثت أن تبددت مؤثراتها، مما أتاح الفرصة لازدهار ما أصبح يعرف باسم الروح القومية – الوطنية اليابانية فما بالنا وقد استطاعت حقبة هيروهيتو أن تجني الثمار اليانعة الناجمة عن البذور الحداثية التي سبقت اليابان إلى نشرها في أرض الوطن خلال حقبة اﻠميجي، وتمثلت تلك البذور في الأخذ بأسباب التصنيع وارتفاع مستويات التعليم الحديث وتنفيذ قوانين التجنيد الإجباري، من هنا تحولت مشاعر اليابانيين من الولاء للطبقات الإقطاعية إلى الولاء للدولة، ولما كان الإمبراطور، خلال سنوات الثلاثينيات إلى الأربعينيات، يشكل تجسيداً أو رمزاً للدولة فقد تمكن هيروهيتو ومعاونوه من إرساء دعائم الحكم الديمقراطي في اليابان.

لكن للتاريخ تناقضاته وغرائبه: لقد جاءت الأزمة الاقتصادية في مستهل عقد الثلاثينيات لتصيب اليابان بأزمات مالية خانقة، ولدرجة انهيار اقتصادها الوطني . وخلال هذه الأزمات تم اغتيال رئيس وزرائها، فيما صعد جنرالاتها إلى مواقع السلطة، فلم يختتم عقد الثلاثينيات إلا بعد أن انضمت اليابان إلى كتلة المحور النازية – الفاشستية، مما دفع إلى تورطها ومن ثم انكسارها في الحرب العالمية الثانية.

تطور فن «الكابوكي»

تحققت معجزة اليابان استناداً إلى وعي واستيعاب اليابانيين لتطورهم التاريخي. وفي هذا الخصوص تتنوع إسهامات مؤلف الكتاب عبر الدروس أو المساقات – المحاضرات التي يضمها كتابنا، ومن خلالها نتابع مثلاً تطور المسرح الياباني وخاصة فن «الكابوكي» الذي يجمع بين فنون تحريك العرائس – الدمى وعروض الرقص الفولكلوري الإيقاعي تعبيراً عن دراما الحياة البشرية بواسطة الحركة والغناء وفنون المسرح بعد أن جاءت بدايات هذا الفن الجمعي الحافل مع إرهاصات القرن السابع عشر في اليابان.

المؤلف

يبلغ الباحث الأميركي البروفيسور مارك رافينا السادسة والخمسين، وقد استكمل دروسه في اثنتين من أهم جامعات أميركا، وهما جامعة كولومبيا ثم جامعة ستانفورد التي حصل منها على الدكتوراه متخصصاً في تاريخ اليابان .

أمضى المؤلف فترات أستاذاً في جامعة كيوتو اليابانية. وأنشطة المؤلف لم تقتصر على جهود ذلك حيث عمل المؤلف مستشاراً للعديد من المخرجين، الذين قاموا بإنتاج أفلام تسجيلية حول اليابان.

تأليف: مارك رافينا

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: مؤسسة سميثونيان، نيويورك، 2016

عدد الصفحات: تسجيل في 750 دقيقة

المصدر: صحيفة البيان

(Visited 15 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

الشراكة “الابتكارية” بين إسرائيل والصين

بقلم: د. هيثم مزاحم* — بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لبدء العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والصين، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *